في إطار اهتمام جريدة تحت الضوء الإخبارية بتغطية القضايا القانونية والنقاشات الدستورية التي تؤثر بشكل مباشر على الحقوق المدنية والجنائية للمواطنين، نسلط الضوء على التحليل القانوني الذي قدمه المستشار محمد مصطفى العماري، والذي يركز على أهم التشريعات الجديدة وتأثيرها العميق على مركز المدعي عليه وحقوق الدفاع.

خبرة قانونية في فهم التشريعات الجديدة
يقدم المستشار محمد مصطفى العماري تحليلاً قانونياً دقيقاً لنصوص قانون الإجراءات الجنائية الجديد، معتبراً أن أهمية هذا التشريع لا تكمن فقط في النتائج التي يفرزها، بل في طبيعة الأسئلة الجوهرية التي يطرحها حول الحريات الشخصية وحقوق التقاضي والملكية. ويؤكد أن هذا القانون يمس بصورة مباشرة الحقوق والحريات التي تتمتع بها المواطنون، مما يستدعي من القضاء والمشرع والمحامين التدقيق في التفاصيل لضمان عدم المساس بهذه الحقوق الدستورية.
النزاع الزمني بين القانونين: حق الطعن في الأحكام الغيابية
ومن أبرز النقاط التي يطرحها المستشار محمد مصطفى العماري في سياق المادة الثانية من القانون الجديد، هو النزاع الزمني بين القانون القديم والقانون الجديد فيما يتعلق بالطعون في الأحكام الغيابية الصادرة قبل سريان العمل به. يطرح السؤال الجوهري: ماذا عن المحكوم عليه غيابياً قبل نفاذ القانون الجديد والذي لم يعلم بالحكم ولم يبدأ بعد في استعمال طريق الطعن عليه إلا بعد دخول القانون الجديد حيز التنفيذ؟ هل يكفي تاريخ صدور الحكم وحده لكي يظل مركزه القانوني خاضعاً للنظام الإجرائي القديم، أم أن الحق في الطعن باعتباره إحدى ضمانات الدفاع والمحاكمة المنصفة يقتضي النظر كذلك إلى اللحظة التي أصبح فيها هذا الحق قابلاً للممارسة فعلياً؟
المادة 372: آثار الإدانة الغيابية على الملكية والتصرفات
وتأتي المادة 372 من القانون الجديد في قمة القضايا التي تستحق التوقف عندها، حيث ترتب على الحكم الصادر بالإدانة في غيبة المتهم أثراً شديد الخطورة يتمثل في حرمانه حتماً من التصرف في أمواله أو إدارتها أو رفع أية دعوى باسمه، مع ترتيب البطلان على ما يجريه من تصرفات أو التزامات. ويشير المستشار محمد مصطفى العماري إلى أن هذه المادة تثير تساؤلات جوهرية حول التناسب بين الإجراء والهدف، حيث يُفترض في التدبير التحفظي وجود غاية تبرره وضرورة تقتضيه، بينما يتحول هذا الأثر هنا إلى نتيجة حتمية بمجرد صدور حكم غيابي بصرف النظر عن طبيعة الجريمة أو وجود خطر حقيقي يهدد الأموال.
الحقوق الدستورية في التقاضي والملكية
ويستعرض المستشار محمد مصطفى العماري في تحليله منطقة الحق الدستوري في التقاضي، مشدداً على أن حرمان المحكوم عليه من رفع أية دعوى باسمه يعد خطوة خطيرة قد تتعارض مع الحقوق الأساسية للمواطن. ويطرح سؤالاً قانونياً دقيقاً حول ماذا لو كانت الدعوى التي يريد إقامتها المحكوم عليه الغائب تستهدف حماية حقوقه أو حقوق الغير، مما يبرز حاجة ماسة لتعديل النصوص لتتناسب مع الحقوق الدستورية وحماية المواطن من الإجراءات التي قد تكون جائرة أو غير متناسبة.
مفهوم التدبير التحفظي والتناسب بين الإجراء والهدف
ويخلص المستشار محمد مصطفى العماري إلى أن التدبير التحفظي بطبيعته يفترض وجود قدر من التناسب بين الإجراء والهدف المراد تحقيقه، وأن تحويل هذا الأثر إلى نتيجة حتمية دون مراعاة هذه التناسب يعد انتهاكاً لمبدأ العدالة. ويؤكد أن هذه الأسئلة القانونية تستحق الدراسة والمناقشة الجادة، وأن المادة لا يمكن اعتبارها مجرد حكم انتقالي تقني، بل هي جزء من منظومة الحقوق والحريات التي يجب أن يحميها القانون.
إرسال تعليق