في صباح 11 سبتمبر 2001، كان برجا مركز التجارة العالمي في نيويورك يبدوان كالمعتاد، فيما كان آلاف الأشخاص يستعدون ليوم عمل جديد داخل أحد أشهر المعالم في الولايات المتحدة.
بعد أقل من ساعتين، لم يعد البرجان موجودين.
طائرتان تجاريتان اصطدمتا بالبرجين، اندلعت حرائق هائلة، ثم انهار المبنيان أمام كاميرات العالم. وفي اليوم نفسه، اصطدمت طائرة ثالثة بمبنى وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون»، بينما تحطمت طائرة رابعة في بنسلفانيا بعد محاولة ركابها مقاومة الخاطفين.
كانت تلك بداية واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا في القرن الحادي والعشرين.
لكن مع مرور السنوات، لم تتوقف الأسئلة عند معرفة من نفذ الهجمات. ظهرت أسئلة أخرى أكثر تعقيدًا: كيف تمكن البرجان من الصمود بعد اصطدام الطائرتين ثم انهارا لاحقًا؟ لماذا انهار البرج الجنوبي قبل الشمالي رغم أن الطائرة اصطدمت به بعده؟ وكيف انهار مبنى WTC 7 رغم عدم اصطدام أي طائرة به؟
ومن هذه الأسئلة ظهرت نظريات كثيرة، بعضها يبدأ من وقائع حقيقية ثم يقدم لها تفسيرًا مختلفًا، وبعضها يعتمد على استنتاجات لا تدعمها الأدلة المتاحة.
لفهم القصة، نحتاج أولًا إلى العودة إلى ذلك الصباح، ثم تفكيك الأسئلة واحدة تلو الأخرى.
تحت الضوء | تاريخ وأحداث عالمية
صباح بدأ عاديًا... ثم تغير كل شيء
في الساعة 8:46 صباحًا بالتوقيت المحلي تقريبًا، اصطدمت الرحلة 11 التابعة لشركة أمريكان إيرلاينز بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي.
وبعد نحو 16 دقيقة، عند الساعة 9:02 صباحًا، اصطدمت الرحلة 175 التابعة لشركة يونايتد إيرلاينز بالبرج الجنوبي.
كان واضحًا منذ اللحظات الأولى أن ما يحدث ليس حادثًا عاديًا.
الطائرتان كانتا جزءًا من هجوم منسق نفذه 19 خاطفًا مرتبطين بتنظيم القاعدة.
وفي الساعة 9:37 صباحًا تقريبًا، اصطدمت الرحلة 77 بالبنتاغون.
أما الرحلة 93، فقد تحرك ركابها وطاقمها ضد الخاطفين بعد أن عرفوا أن طائرات أخرى استُخدمت في الهجمات. وتحطمت الطائرة في حقل بالقرب من شانكسفيل بولاية بنسلفانيا عند الساعة 10:03 صباحًا. وتشير لجنة 11 سبتمبر إلى أن الطائرة كانت متجهة نحو هدف في واشنطن قبل أن يتمكن الركاب من مقاومة الخاطفين.
أصبح مركز التجارة العالمي في نيويورك خلال تلك الساعات مركز المشهد العالمي.
لكن شيئًا مهمًا لم يحدث فورًا.
البرجان لم يسقطا لحظة اصطدام الطائرتين.
وهنا يبدأ أول سؤال كبير.
لماذا لم ينهَر البرجان فورًا؟
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى بسيطًا: طائرة ضخمة اصطدمت بمبنى، إذن المبنى انهار.
لكن الواقع الهندسي أكثر تعقيدًا.
كان كل من البرجين مبنى شاهقًا مكونًا من 110 طوابق، وصُمم هيكله ليحمل أحمالًا ضخمة. وعندما اصطدمت الطائرتان، تعرضت أجزاء من الهيكل لأضرار كبيرة، لكن المبنيين ظلا واقفين.
بحسب التحقيق الفني الذي أجراه المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا NIST، أدى الاصطدام إلى قطع أو إتلاف أعمدة إنشائية، كما أزاح أجزاء من مادة الحماية المقاومة للحريق التي كانت تغطي العناصر الفولاذية، ونشر وقود الطائرات على عدة طوابق.
وهنا تدخلت النيران.
فوق المناطق المتضررة، اندلعت حرائق متعددة الطوابق استمرت لفترة طويلة. ومع فقدان أجزاء من الحماية الحرارية، أصبح الفولاذ المكشوف أكثر عرضة لتأثير الحرارة.
وهنا توجد نقطة مهمة كثيرًا ما تُفهم بطريقة خاطئة:
لم يقل التحقيق إن الفولاذ ذاب.
درجة انصهار الفولاذ أعلى بكثير من درجات الحرارة التي وصلت إليها حرائق الأبراج. لكن الفولاذ لا يحتاج إلى الانصهار حتى يفقد جزءًا كبيرًا من قدرته على تحمل الأحمال.
يوضح NIST أن الفولاذ غير المحمي عندما تصل حرارته إلى نحو 1000 درجة مئوية يمكن أن تنخفض قوته إلى نسبة صغيرة من قوتها في درجة حرارة الغرفة.
وهذا هو الفرق بين القول إن «الفولاذ انصهر» والقول إن «الحرارة أضعفته».
الأول غير دقيق.
أما الثاني فهو جزء أساسي من تفسير الانهيار الذي توصلت إليه التحقيقات.
البرج الجنوبي سقط أولًا... رغم أن الضربة جاءت بعده
من التفاصيل التي قد تبدو محيرة أن البرج الجنوبي تعرض للاصطدام بعد البرج الشمالي، لكنه انهار قبله.
البرج الجنوبي تعرض للاصطدام في حوالي الساعة 9:02، ثم انهار في حوالي 9:58 صباحًا.
أما البرج الشمالي، الذي أصيب أولًا في الساعة 8:46، فلم ينهَر حتى حوالي 10:28 صباحًا.
فلماذا؟
لأن اصطدام الطائرتين لم يكن متطابقًا.
اختلف موقع الاصطدام، واختلفت طبيعة الأضرار التي لحقت بالعناصر الإنشائية، كما اختلف توزيع الحرائق ومواقعها.
ويشير NIST إلى أن البرج الجنوبي تعرض لأضرار أكبر في بعض الأجزاء المهمة من القلب الإنشائي، كما اندلعت حرائق مبكرة ومستمرة في مناطق تضررت فيها الحماية الحرارية بشكل كبير.
لذلك لم يكن السؤال ببساطة: «أي برج اصطدمت به الطائرة أولًا؟»
بل: أي أجزاء من كل مبنى تضررت؟ وأين اندلعت الحرائق؟ وكم استمرت؟ وكيف أثرت الحرارة في الهيكل؟
وهنا نفهم لماذا لا يمكن تفسير انهيار البرجين بمجرد النظر إلى لحظة الاصطدام وحدها.
لحظة الانهيار... وهنا بدأت الشكوك
عند مشاهدة تسجيلات انهيار البرجين، قد يبدو المشهد غريبًا جدًا.
المبنى يظل واقفًا لفترة، ثم تبدأ منطقة معينة بالانهيار، وبعدها تتسارع عملية السقوط.
بالنسبة إلى شخص لا يملك خلفية في هندسة المنشآت، قد يبدو المشهد وكأنه تفجير متحكم فيه.
وهذه الملاحظة تحديدًا أصبحت واحدة من أهم ركائز نظرية «التفجير المتحكم فيه».
لكن هناك سؤالًا أكثر أهمية من شكل الانهيار:
من أين بدأ الانهيار؟
بحسب NIST، بدأ انهيار كل برج في منطقة الاصطدام والحرائق، وليس عند قاعدة المبنى. كما أظهرت الصور ومقاطع الفيديو أن الانهيار بدأ من الأعلى وتقدم إلى الأسفل.
ويفسر التحقيق ذلك بأن الأضرار والحرارة أضعفت أجزاء من الهيكل إلى درجة لم تعد معها قادرة على تحمل الأحمال، فبدأ الجزء العلوي في الحركة إلى أسفل.
وعندما بدأت كتلة ضخمة من المبنى بالتحرك، أصبحت الطاقة الناتجة عن حركتها عاملًا هائلًا في استمرار الانهيار.
بمعنى آخر، لم يكن المطلوب أن «يُفجّر» كل طابق على حدة.
كان يكفي أن تبدأ عملية انهيار إنشائي في منطقة حرجة حتى تصبح الكتلة الموجودة فوقها جزءًا من عملية الانهيار المتتابع.
[صورة داخلية مقترحة: لقطة أرشيفية بعيدة وواضحة للحظة بدء انهيار أحد البرجين، مع التركيز على منطقة بداية الانهيار وتجنب اللقطات التي تظهر أشخاصًا أو ضحايا، لتوضيح أن الانهيار بدأ من منطقة الاصطدام والحرائق]
هل كان انهيار البرجين تفجيرًا متحكمًا فيه؟
هذه أشهر نظريات المؤامرة المتعلقة بهجمات 11 سبتمبر.
وتقول النظرية إن الطائرتين لم تكونا السبب الحقيقي في إسقاط البرجين، وإنما تم تجهيز المبنيين مسبقًا بمتفجرات، ثم جرى تفجيرها بطريقة منظمة.
ويستند مؤيدو هذه الفكرة عادة إلى عدة نقاط: سرعة الانهيار، ظهور ما يشبه «انفجارات» صغيرة، الغبار الكثيف، وشكل سقوط أجزاء كبيرة من المبنى.
لكن هذه النقاط تحتاج إلى فصلها عن بعضها.
فمثلًا، ظهور دفعات من الغبار أو الدخان أثناء الانهيار لا يعني بالضرورة وجود متفجرات.
يوضح NIST أن سقوط كتلة المبنى أدى إلى ضغط الهواء داخل الطوابق، وهو ما دفع الدخان والغبار والهواء عبر النوافذ والفراغات، فظهرت دفعات من الغبار يمكن أن تبدو في الفيديو كأنها انفجارات.
كما أن التحقيق أشار إلى عدم وجود أدلة على انفجارات أسفل مناطق بدء انهيار البرجين يمكن أن تدعم فرضية التفجير المتحكم فيه.
والتحقيق لم يكن مجرد مراجعة سطحية لمقاطع الفيديو.
بحسب NIST، شارك في التحقيق نحو 200 خبير فني، وتمت مراجعة عشرات الآلاف من الوثائق، ومقابلة أكثر من ألف شخص، وتحليل آلاف الصور ومقاطع الفيديو، وفحص عينات من الفولاذ وإجراء نماذج حاسوبية للانهيار.
وهنا تصبح المسألة أكثر دقة:
وجود مشهد يبدو شبيهًا بالتفجير يمكن أن يكون سببًا مشروعًا لطرح سؤال.
لكنه ليس في حد ذاته دليلًا على وجود تفجير.
وماذا عن الثرميت؟
من النظريات الأخرى التي اكتسبت شهرة كبيرة الادعاء بأن مادة تسمى الثرميت استُخدمت لقطع الأعمدة الفولاذية.
الثرميت مادة كيميائية يمكنها إنتاج حرارة شديدة، ولذلك تبدو الفكرة للوهلة الأولى منطقية لمن يسمع عنها للمرة الأولى.
لكن وجود مادة قادرة على قطع الفولاذ لا يثبت أنها استُخدمت في البرجين.
عند دراسة هذه الفرضية، أشار NIST إلى أن استخدام الثرميت في مئات العناصر الإنشائية يتطلب كميات ضخمة وتركيبها بطريقة مباشرة على العناصر، فضلًا عن الحاجة إلى تجهيز المبنى مسبقًا بطريقة يصعب إخفاؤها. وخلص إلى أن استخدام الثرميت كوسيلة لإسقاط البرجين كان غير مرجح للغاية.
كما أوضح NIST أنه لم يجد أدلة تؤيد فرضية التفجير المتحكم فيه.
ومن المهم هنا التفريق بين عبارتين:
«الثرميت يستطيع إحداث حرارة شديدة»، وهي حقيقة كيميائية.
و**«الثرميت استُخدم في مركز التجارة العالمي»**، وهي دعوى تحتاج إلى دليل مستقل.
الأولى لا تثبت الثانية.
لكن هناك مبنى لم تصطدم به طائرة أصلًا
إذا كانت قصة البرجين يمكن ربطها مباشرة باصطدام الطائرتين، فهناك مبنى آخر جعل نظريات المؤامرة أكثر انتشارًا.
اسمه مركز التجارة العالمي 7، أو WTC 7.
كان مبنى من 47 طابقًا داخل مجمع مركز التجارة العالمي، ولم تصطدم به أي طائرة.
ومع ذلك، انهار في وقت لاحق من اليوم نفسه.
وهنا يبدو السؤال أكثر إرباكًا:
كيف يمكن لمبنى لم تصطدم به طائرة أن ينهار؟
ماذا حدث لـ WTC 7؟
بحسب التحقيق الذي أجراه NIST، تعرض المبنى لأضرار نتيجة حطام انهيار البرج الشمالي، كما اندلعت فيه حرائق على عدة طوابق.
وكانت هناك مشكلة إضافية مهمة: أنظمة المياه التي تعتمد عليها بعض أنظمة إطفاء الحرائق تعرضت لأضرار، ما سمح للحرائق في طوابق معينة بالاستمرار دون السيطرة عليها.
استمرت الحرائق لساعات.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، تمددت بعض العناصر الفولاذية.
قد يبدو تمدد الفولاذ بسبب الحرارة تفصيلًا صغيرًا، لكنه في مبنى ضخم يمكن أن يغير القوى التي تنتقل بين العناصر الإنشائية.
وفقًا لـNIST، أدت هذه التأثيرات الحرارية إلى سلسلة من حالات الفشل بدأت في منطقة مرتبطة بالعمود رقم 79، ثم انتقلت إلى أجزاء أخرى من الهيكل حتى أصبح الانهيار شاملًا.
وهنا تختلف آلية WTC 7 عن آلية انهيار البرجين.
فالبرجان تعرضا لاصطدام طائرتين ثم حرائق واسعة.
أما WTC 7، فكان السيناريو الذي توصل إليه NIST قائمًا على حرائق غير مسيطر عليها أدت إلى انهيار تقدمي داخل الهيكل.
وماذا عن "السقوط الحر"؟
هذه واحدة من أكثر النقاط التي تستخدم في النقاش حول WTC 7.
تظهر بعض مقاطع الفيديو الجزء العلوي من المبنى وهو يهبط بسرعة، ولذلك يقال أحيانًا إن المبنى «سقط في السقوط الحر»، وكأن ذلك يثبت أن الأعمدة أزيلت بالمتفجرات.
لكن التفاصيل هنا مهمة.
NIST وجد أن الواجهة الشمالية المرئية مرت بمراحل مختلفة من الحركة، وكان هناك جزء من مسار الانهيار تحرك فيه المبنى بتسارع قريب من تسارع الجاذبية.
لكن هذا لا يعني أن المبنى كله سقط سقوطًا حرًا منذ اللحظة الأولى.
بحسب NIST، كان جزء من الهيكل الداخلي قد انهار بالفعل قبل أن يظهر الانهيار الخارجي بصورة واضحة، وهو ما ساهم في تقليل المقاومة التي واجهتها الواجهة خلال مرحلة معينة من هبوطها.
إذن، عبارة «سقوط حر» تحتاج إلى تحديد: أي جزء من المبنى؟ وأي مرحلة من الانهيار؟
تحويل مرحلة واحدة من عملية معقدة إلى وصف شامل للمبنى كله يمكن أن يؤدي إلى استنتاج مضلل.
إذا كان هناك تفجير... فأين دليله؟
هذه النقطة هي جوهر المسألة كلها.
قد تبدو بعض الصور أو الفيديوهات غريبة.
وقد تثير بعض التفاصيل أسئلة حقيقية.
لكن إثبات التفجير يحتاج إلى أكثر من مظهر بصري.
يحتاج إلى آثار للمتفجرات، أو نمط أضرار يتفق مع الانفجار، أو تسجيلات موثوقة، أو أدلة مادية مستقلة تربط الانهيار بالمتفجرات.
وبعد التحقيق الفني، قالت NIST إنها لم تجد أدلة مؤيدة لفرضية أن البرجين أو WTC 7 أُسقطت بمتفجرات. كما لم تجد دليلًا على استخدام صواريخ ضد البرجين.
وهنا تظهر قاعدة مهمة في قراءة أي نظرية مؤامرة:
ليس السؤال فقط: «هل يمكن أن يحدث هذا؟»
بل:
«هل توجد أدلة تثبت أنه حدث بالفعل؟»
فمن الممكن تخيل عشرات السيناريوهات التي يمكن أن تفسر حدثًا ما، لكن السيناريو لا يصبح حقيقة لمجرد أنه ممكن نظريًا.
وماذا عن فكرة أن الحكومة الأمريكية كانت وراء الهجمات؟
هذه النظرية أوسع من فكرة التفجير.
وتقول بعض الروايات إن مسؤولين داخل الحكومة الأمريكية خططوا للهجمات أو عرفوا بها مسبقًا وسمحوا بوقوعها لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية.
لكن هنا أيضًا يجب فصل الأسئلة المشروعة عن الاستنتاجات.
فمن المؤكد أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية واجهت إخفاقات قبل 11 سبتمبر.
تقرير لجنة 11 سبتمبر وثق مشكلات في تبادل المعلومات والتنسيق بين المؤسسات، كما ناقش التحذيرات السابقة من تنظيم القاعدة ومواطن القصور في الاستعداد لمواجهة نوع جديد من الهجمات.
لكن وجود إخفاقات استخباراتية لا يثبت أن من ارتكبها كان شريكًا في الهجمات.
وهذا فرق أساسي.
قد تفشل مؤسسة في منع جريمة دون أن تكون هي التي خططت للجريمة.
لذلك فإن السؤال عن لماذا لم تمنع الأجهزة الهجمات؟ سؤال مشروع.
أما تحويل هذا السؤال مباشرة إلى «إذن الحكومة هي التي نفذتها» فهو قفزة استنتاجية تحتاج إلى أدلة إضافية.
لماذا تبدو بعض نظريات 11 سبتمبر مقنعة؟
ربما لأن الإنسان بطبيعته لا يحب الفراغات في القصص.
عندما يرى آلاف الأشخاص حدثًا ضخمًا عبر شاشات التلفزيون، لكنه لا يستطيع معرفة ما حدث خلف الكواليس، يبدأ العقل في البحث عن تفسير كامل.
وتصبح التفاصيل الغريبة جذابة جدًا:
لماذا انهار هذا المبنى في هذا الوقت؟
لماذا ظهرت تلك السحابة؟
لماذا لم يتصرف الدفاع الجوي بطريقة مختلفة؟
لماذا كان هناك هذا الخطأ الأمني؟
كل سؤال من هذه الأسئلة يستحق البحث.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الملاحظة إلى استنتاج دون المرور بمرحلة الدليل.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل نظريات المؤامرة قادرة على البقاء لسنوات طويلة: فهي تجمع مجموعة من التفاصيل الحقيقية، ثم تمنحها تفسيرًا واحدًا شاملًا.
لكن وجود بعض الوقائع الصحيحة داخل نظرية ما لا يجعل كل استنتاجاتها صحيحة.
إذن... ماذا تقول الأدلة؟
عندما نضع الأحداث كلها في تسلسل واحد، تصبح الصورة أكثر وضوحًا.
في 11 سبتمبر 2001، اختطف 19 شخصًا أربع طائرات تجارية في هجوم منسق مرتبط بتنظيم القاعدة.
اصطدمت طائرتان ببرجي مركز التجارة العالمي.
أحدث الاصطدام أضرارًا إنشائية واسعة، وأزاح أجزاء من الحماية المقاومة للحريق، ونشر وقود الطائرات في مناطق متعددة.
ثم اندلعت حرائق واسعة أضعفت عناصر إنشائية مهمة.
بدأ انهيار البرجين في المناطق المتضررة، ثم تطور الانهيار إلى الأسفل. وهذا هو السيناريو الذي توصل إليه التحقيق الفني لـNIST.
أما WTC 7، فلم تصطدم به طائرة، لكنه تعرض لأضرار من حطام البرج الشمالي وحرائق استمرت لساعات، وتوصل NIST إلى أن التمدد الحراري أدى إلى سلسلة من حالات الفشل الإنشائي التي بدأت بمنطقة مرتبطة بالعمود 79 ثم تطورت إلى انهيار المبنى.
أما فرضيات التفجير المتحكم فيه أو استخدام الصواريخ أو الثرميت، فلم يجد التحقيق الفني أدلة مؤيدة لها.
هل يعني هذا أن كل شيء محسوم ولا توجد أسئلة؟
ليس بالضرورة.
الفرق بين البحث الجاد ونظرية المؤامرة ليس في طرح الأسئلة.
بل في الطريقة التي نتعامل بها مع الإجابات.
من حق أي شخص أن يسأل لماذا حدث كذا، وكيف انهار مبنى، ولماذا أخفقت أجهزة أمنية في منع الهجمات.
بل إن بعض أهم الحقائق التي عرفناها عن 11 سبتمبر ظهرت أصلًا لأن محققين وصحفيين ولجانًا رسمية طرحوا أسئلة صعبة.
لكن السؤال وحده ليس دليلًا.
والفيديو الغريب ليس دليلًا كاملًا.
والصدفة ليست دليلًا.
والشيء الذي «يبدو مستحيلًا» يحتاج إلى فحص، لا إلى قفزة مباشرة نحو أكثر تفسير إثارة.
وهنا تكمن أهمية العودة إلى الأدلة الأصلية والتحقيقات الفنية والتاريخية بدل الاكتفاء بمقاطع قصيرة أو منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.
بعد كل هذه السنوات... ما الذي بقي من 11 سبتمبر؟
لم تكن هجمات 11 سبتمبر مجرد لحظة انهار فيها برجان.
كانت حدثًا غيّر السياسة الأمريكية، وأعاد تشكيل مفهوم الأمن ومكافحة الإرهاب، وأثر في الحروب والعلاقات الدولية، وترك آلاف العائلات أمام خسارة لا يمكن اختزالها في صورة أو رقم.
أما الأسئلة حول انهيار المباني ونظريات المؤامرة، فهي جزء آخر من قصة طويلة عن محاولة البشر فهم حدث ضخم يصعب استيعابه.
وربما تكون أهم طريقة للنظر إلى هذا الملف هي ألا نخاف من السؤال، وألا نستسلم أيضًا لأول إجابة تبدو مثيرة.
ففي النهاية، السؤال الجيد يفتح باب التحقيق، لكن الدليل هو الذي يحدد أين ينتهي الطريق.
وربما لهذا السبب تظل قصة 11 سبتمبر حاضرة حتى اليوم: ليس فقط لأنها غيرت العالم في صباح واحد، بل لأنها تذكرنا أيضًا بأن فهم الأحداث الكبرى يحتاج إلى أكثر من مشاهدة ما حدث أمام أعيننا.
يحتاج إلى أن نعرف ما الذي حدث، وكيف حدث، وما الذي نملك عليه دليلًا فعلًا.
المصادر
- لجنة 11 سبتمبر الأمريكية: التقرير النهائي للجنة الوطنية للتحقيق في الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة، ويتضمن التسلسل الزمني للهجمات وتطور مخطط تنظيم القاعدة.
- المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا NIST: التحقيق الفني في انهيار برجي مركز التجارة العالمي، بما في ذلك تأثير اصطدام الطائرات والحرائق والحماية المقاومة للحريق.
- NIST: الأسئلة الفنية المتعلقة بفرضية التفجير المتحكم فيه والثرميت والصواريخ والانهيار التدريجي للبرجين.
- NIST: التحقيق في انهيار WTC 7، ودور الحرائق والتمدد الحراري والعمود 79 في تسلسل الانهيار.
- NIST: المواد والصور والمحاكاة التي أُعدت ضمن التحقيق الفني في كارثة مركز التجارة العالمي.
إرسال تعليق